ابن جزار القيرواني

131

كتاب في المعدة وأمراضها ومداواتها

بالماء العذب السخن ، ويضموا إلى معدهم صبي نظيف صحيح البدن . فان حرارة الصبي تدفيء المعدة المتغير مزاجها من البرد واليبس ، ويستعملوا الأغذية والأدوية والأشربة الحارة ، اعتدال الرطبة في جوهرها ، وفي صنعتها مع الرياضة المعتدلة . وفيما ذكرنا من هذا الكتاب كفاية . القول في التدبير الحافظ لصحة المعدة ينبغي لمن أراد أن يستديم صحة المعدة ، حتى لا يعرض لها مرض يغيّر أفاعيلها أو يضعفها ، أن يجعل الطعام مثل الدواء . وكما أن الدواء ليس يقصد إلى أن يكون لذيذا أو كثيرا ، وإنما يقصد إلى منفعته . وكذلك ليس القصد من الطعام إلى لذته ، ولا إلى كثرته ، وإنما القصد إلى منفعته وهي أن تسدّ الحر عنه ، لا غير ذلك . وذلك أن المعدة إذا حمل عليها فوق الطاقة ، دقت واتسعت وبردت وضعفت حتى تصير كالثوب الخلق البالي . فإذا صارت كذلك عرض لها التخم لا عن سبب معروف ولا عن أطعمة رديئة والتخم من أعظم الأسباب قوة في فساد الدم ، وتولد الأمراض . وأفضل الأشياء المتخذة لهضم الطعام وما يعد له من صنوف الهواضم والجوارشنات ، ترك الطعام وهو يشتهى وترك الشراب دون البلوغ إلى حاله ( الأقصى ) وقيل لبعض حكماء الروم : أي وقت الطعام أصلح ؟ قال : أما المزدرد فإذا اشتهى ، فأما لمن لم يقدر فإذا وجد للشهوة أيضا في استمراء الطعام ، أعظم الحظ لأنها دليلة على الموافقة والملائمة . فمتى كان طعامان يستويان في الجودة ، وكانت شهوة المحتاج اليهما ، أو إلى أحدهما أميل ، رأينا ايثار المشتهي على الآخر ، لأنه أوفق لطبيعته ، وأسهل عليها في الاستمراء . ومتى كان طعامان أحدهما أجود من الآخر ، وكانت شهوة المحتاج اليهما إلى أرداهما أميل . أجبرناه على أجودهما إذا لم يخف منه ضررا ، أكثر مما ينال منه من المنفعة يخسر قبول المعدة له ، واستمرائها ، إياه فقد تبيّن مما قدمناه ، أن أفضل الأشياء لحفظ صحة المعدة أن يترك الطعام وهو يشتهى ، ولا يكلف المعدة منه إلا ما تحسّ به قوة